<!-- / icon and title --><!-- message -->
الثقافات كيانات مستقرة ومنتظمة ومهيمنة بل إنها كيانات أبدية تحافظ بمنتهى القدرة على استمرار بقائها وديمومتها وتقاوم بنجاح مدهش أي طارئ فهي تتكفَّل باستمرار التناسل النمطي مثلما تتكفل الخلايا الوراثية باستمرار التناسل البيولوجي.
فأشد الثقافات إيغالاً في التحريف كالديانة اليزيدية ما زالت صامدة بمنتهى العنفوان أمام تيارات الأفكار وفتوحات العلوم وهذا يؤكد أن تأثير العلوم ما زال محصوراً بالمجالات المادية فما يستوعبه الدارسون في المدارس والجامعات مما هو طارئ على الثقافة يُشبه عُدَّة العمل فهو لا يجري استعماله إلا وقت العمل أما في مجالات الحياة الأكثر عمقاً واتساعاً فلا تأثير له عليها ولا علاقة له بها.
فالثقافة السائدة في أي مجتمع هي صاحبة الدار والأمر والنهي والمنح والمنع والفتح والإغلاق فلا تسمح لأي طارئ بأن يربك عليها نظامها فهي الأسبق والأرسخ بل إنها تعمل بمنتهى الفاعلية دون شعور من المبرمجين بها.
أما العلوم فهي طارئة على حياة المجتمعات وذات تأثيرات جانبية وينحصر اختصاصها بالعمل المهني بالنسبة للأفراد ولخدمة الاتجاهات التي تقررها الثقافة بالنسبة للمجتمعات ولا علاقة لها في الأعماق النفسية ولا في توجيه الحياة فالثقافة هي التي تقرر الاتجاه أما العلوم فينحصر دورها في توطيد وإنجاح المسار المقرر فتأثير العلوم تأثيرٌ هامشيٌ وسطحي وشكلي ومادي محض فالثقافة المتوارثة قد احتلت الأذهان وامتزجت بالعواطف ويجري توارثها منذ عصور سحيقة أما العلوم بالنسبة للمجتمعات التي لم تنتجها فهي لباسٌ منفصل عن جسد المجتمع وطلاء خارجي للبنية الثقافية المهيمنة..
إن العقل يحتله الأسبق إليه وعقلُ الإنسان يتشكَّل في سنوات طفولته المبكرة لذلك فإن الثقافات السائدة هي التي تحتل العقول وتهيمن على العواطف قبل الاتجاه إلى التعليم وتستمر في الهيمنة أثناءه وبعد الفراغ منه فهي ممتزجة في الفرد تجري منه مجرى الدم وتسري فيه مسرى الحياة أما ما يتلقاه من علوم في المدارس والجامعات فيبقى للاستخدام المهني فقط فالناس مصوغون بالبيئات الاجتماعية التي ينشأون فيها وليس بالتعليم الطارئ الذي يتجرَّعونه كرهاً..
إن البيئات الاجتماعية شديدة التفاوت ثقافياً بل إنها ذات اختلافات نوعية في نظمها المعرفية وفي تصوراتها وقيمها ونظرتها للكون والحياة والإنسان فالفرد الذي يولد وينشأ في بيئة ثقافية منفتحة تحترم الإنسان وتفتح الخيارات أمامه يتبرمج بما ينمي ذكاءه ويسدد تفكيره ويملؤه رغبة في التعلم والتحقق .
إن العقل يحتله الأسبق إليه وعقلُ الإنسان يتشكَّل في سنوات طفولته المبكرة لذلك فإن الثقافات السائدة هي التي تحتل العقول وتهيمن على العواطف قبل الاتجاه إلى التعليم وتستمر في الهيمنة أثناءه وبعد الفراغ منه فهي ممتزجة في الفرد تجري منه مجرى الدم وتسري فيه مسرى الحياة أما ما يتلقاه من علوم في المدارس والجامعات فيبقى للاستخدام المهني فقط فالناس مصوغون بالبيئات الاجتماعية التي ينشأون فيها وليس بالتعليم الطارئ الذي يتجرَّعونه كرهاً..
إن البيئات الاجتماعية شديدة التفاوت ثقافياً بل إنها ذات اختلافات نوعية في نظمها المعرفية وفي تصوراتها وقيمها ونظرتها للكون والحياة والإنسان فالفرد الذي يولد وينشأ في بيئة ثقافية منفتحة تحترم الإنسان وتفتح الخيارات أمامه يتبرمج بما ينمي ذكاءه ويسدد تفكيره ويملؤه رغبة في التعلم والتحقق .
أما الذي يولد وينشأ في بيئة ثقافية منغلقة فإنها تبرمجه بأوهام الاكتفاء وقناعات الانغلاق مما يُخمد ذكاءه ويجمِّد تفكيره ويستبقيه جاهلاً مركباً يصدُّه جهله المركَّب عن طلب المعرفة فيبقى مكتفياً ومغتبطاً بما امتصه امتصاصاً تلقائياً من المجتمع وهذا تكوين ذهني وعاطفي وأخلاقي خطير لأنه في هذه الحالة يكون معتمداً على ثقافة المشافهة والارتجال التي لم تخضع لأي مراجعة أو تمحيص أو تحقُّق..
ومع خطورة هذا التكوين التلقائي الذي يبقى ملازماً للفرد مدى الحياة فإن الغالب على أكثر الناس في معظم المجتمعات هو التبرمج امتصاصاً بهذا الجهل المركَّب وهذا هو الذي يخلق العداوات بين الفئات المختلفة داخل المجتمع الواحد كما يخلقها بين المجتمعات المختلفة ويؤجج الأحقاد ويملأ أذهان الناس في كل مجتمع بتصورات خاطئة وأحكام جائرة على المجتمعات الأخرى أو على بعض الفئات داخل المجتمع ذاته وبهذا تحصل الانشقاقات وتستعر الحروف وتدوم الثارات ويتفاقم التنافر فالإنسانية كلها ضحية البرمجات الثقافية التلقائية المتعارضة وهي برمجات لم تتعرض للمراجعة والتحقق وإنما هي ميراث متصل عبر التناسل الثقافي حيث يبقى الناس مأخوذين بالموروث وبالسائد أياً كان نصيبهما من القُرْب أو البُعْد عن الحقائق الموضوعية.
إن واقع المتعلمين في كل المجتمعات يؤكد أن البشرية ما زالت مأخوذة كلياً بثقافاتها الموروثة فهي بعيدة كل البعد عن الروح العلمية فما برحت هذه الروح محصورة بعدد محدود للغاية من قادة العلم ورجال الفكر والمتمرسين بإنتاج المعرفة
ومع خطورة هذا التكوين التلقائي الذي يبقى ملازماً للفرد مدى الحياة فإن الغالب على أكثر الناس في معظم المجتمعات هو التبرمج امتصاصاً بهذا الجهل المركَّب وهذا هو الذي يخلق العداوات بين الفئات المختلفة داخل المجتمع الواحد كما يخلقها بين المجتمعات المختلفة ويؤجج الأحقاد ويملأ أذهان الناس في كل مجتمع بتصورات خاطئة وأحكام جائرة على المجتمعات الأخرى أو على بعض الفئات داخل المجتمع ذاته وبهذا تحصل الانشقاقات وتستعر الحروف وتدوم الثارات ويتفاقم التنافر فالإنسانية كلها ضحية البرمجات الثقافية التلقائية المتعارضة وهي برمجات لم تتعرض للمراجعة والتحقق وإنما هي ميراث متصل عبر التناسل الثقافي حيث يبقى الناس مأخوذين بالموروث وبالسائد أياً كان نصيبهما من القُرْب أو البُعْد عن الحقائق الموضوعية.
إن واقع المتعلمين في كل المجتمعات يؤكد أن البشرية ما زالت مأخوذة كلياً بثقافاتها الموروثة فهي بعيدة كل البعد عن الروح العلمية فما برحت هذه الروح محصورة بعدد محدود للغاية من قادة العلم ورجال الفكر والمتمرسين بإنتاج المعرفة
أما عامة المتعلمين فإنهم في الغالب يحفظون القواعد والقوانين والنماذج والأمثلة والمعلومات ويكتسبون المهارات العملية ويلتزمون بها في أدائهم المهني وما عدا ذلك فهم يتصرفون بتوجيه الثقافة السائدة التي تبرمجوا بها منذ الطفولة فهي التي توجه تفكيرهم وسلوكهم بشكل تلقائي..
إن اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام على الأحداث والأشياء والأفكار والمواقف والأشخاص والأعمال والأوضاع والأحوال والأمم والثقافات يتطلب معرفة كل ما يمكن معرفته من الحقائق بشأنها لكن ذلك هو أبعد ما يكون عن الممارسات البشرية فالرؤية الموضوعية الواعية وإدراك تحيزات النفس وأهوائها واتخاذ مسافة كافية من الذات من أجل التقييم النزيه وكذلك الالتزام بروح العلم ومقتضياته كلها ما زالت غريبة عن تفكير عامة الناس بمن فيهم من المتعلمين ومن يحملون أرفع الشهادات الأكاديمية فهذه المزايا العظيمة ما فتئت نادرة ومحصورة بقادة الفكر والعلم وهم فئة محدودة جداً من الناس .
إن اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام على الأحداث والأشياء والأفكار والمواقف والأشخاص والأعمال والأوضاع والأحوال والأمم والثقافات يتطلب معرفة كل ما يمكن معرفته من الحقائق بشأنها لكن ذلك هو أبعد ما يكون عن الممارسات البشرية فالرؤية الموضوعية الواعية وإدراك تحيزات النفس وأهوائها واتخاذ مسافة كافية من الذات من أجل التقييم النزيه وكذلك الالتزام بروح العلم ومقتضياته كلها ما زالت غريبة عن تفكير عامة الناس بمن فيهم من المتعلمين ومن يحملون أرفع الشهادات الأكاديمية فهذه المزايا العظيمة ما فتئت نادرة ومحصورة بقادة الفكر والعلم وهم فئة محدودة جداً من الناس .
فالشعوب تستفيد من تطبيقات العلوم لكنها لا تطبقها على ثقافاتها السائدة ولا تحاول هذا التطبيق باستثناء المجتمعات التي أنتجت العلوم وما سبقها من أفكار تأسيسية بل إن بعض الثقافات لا تعترف بأهمية هذا التطبيق وتعتبر أن كل إنجازات العلوم ما هي إلا محاولات بشرية مرتعشة أو خربشات فردية مرتبكة قياساً بما تحويه هذه الثقافات من قناعات راسخة لا يطولها التساؤل ولا يعتريها التغيُّر فهي محكَّات ثابتة للحقائق وليست الحقائق محكاً لها فكل ما هو بداخلها هو حقائق مطلقة وكل ما هو خارجها هو أوهام وتخرصات وأباطيل وفي أحسن الأحوال هي انشغالات لا تستحق الاهتمام..
إن انفتاح العلوم المطلق على الحقيقة وتوقُّعها الدائم للقصور واعترافها المبدئي بأولوية الخطأ واصطحابها الدائم للشك تبقى كلها حاضرة دائماً وبقوة رغم كل ما توافر للبحث من اهتمام قوي مستغرق ومن مناهج ضابطة وأجهزة دقيقة واختبارات متكررة ونقد موصول وتعاون وثيق وتكامل بين الحقول المعرفية .
إن انفتاح العلوم المطلق على الحقيقة وتوقُّعها الدائم للقصور واعترافها المبدئي بأولوية الخطأ واصطحابها الدائم للشك تبقى كلها حاضرة دائماً وبقوة رغم كل ما توافر للبحث من اهتمام قوي مستغرق ومن مناهج ضابطة وأجهزة دقيقة واختبارات متكررة ونقد موصول وتعاون وثيق وتكامل بين الحقول المعرفية .
وعلينا أن نقارن هذا الاستعداد المفتوح للمراجعة والتراجع بمواقف الثقافات داخل كياناتها أو مواقف بعضها من بعض مع أنها معرفة تلقائية لم توضع أبداً على محك التحقُّق لا من خارجها ولا من داخلها وعلينا أن نتذكَّر التعالي المنتفش الذي تتصف به الثقافات مع أنها معرفة مرتجلة ومستقاة بشكل تلقائي دون أي مستوى من مستويات المراجعة أو التحقُّق وأن نقارن ذلك بتواضع العلم الشديد مع كل جهود واحتياطات التحقُّق وبهذه المقارنة تظهر لنا خطورة البرمجات الثقافية..؟!!
منقول بتصرف
من منتدى حوارات الفاخريه
كتبها الفارس في 06:47 صباحاً ::
4 تعليقات
في15,تموز,2008 - 04:00 مساءً, rabahra كتبها ...
موضوع شيق للنقاش وارى من خلاله نقاط مهمة واساسية وفيها بعض النظريات الفلسفية ولكن للاسف لااحديناقش هذه النظريات او يؤمن بها لان الغالبية العظمى من الناس ليسوا مهتمين بهذه المواضيع وبهذه الثقافات ويعتبرونه حبر على ورق وشكرا لك على هذا الموضوع القيم
في15,تموز,2008 - 09:07 مساءً, الفارس كتبها ...
rabahra
سعيد بتواصلك الرئع
فمشكلتنا الكبرى اننا نعرف ان الهدف من وراء التعلم هو الرقي بالسلوك الانساني ولكن
للاسف تظل الثقافات السائدة هي التي تحتل العقول وتهيمن على العواطف فهي
ممتزجة في الفرد تجري منه مجرى الدم وتسري فيه مسرى الحياة أما ما يتلقاه
من علوم في المدارس والجامعات فيبقى للاستخدام المهني فقط فالناس مصوغون
بالبيئات الاجتماعية التي ينشأون فيها وليس بالتعليم الطارئ الذي يتجرَّعونه كرهاً
للحصول على الوظيفه فقط ويمكن ان نلاحظ ذلك من خلال سعي الناس لاختيار تخصص
معين حيث يتم الاختيار بناءا على مستقبل هذا التخصص وظيفيا وليس حبا او رغبة في
التعلم والابداع وهذا ليس تعميما ولكنه الغالب السائد
تمنياتي لك بالتوفيق
واشكرك على متابعتك الدائمه
كل الود
في29,تموز,2008 - 10:12 صباحاً, Rainywinternight كتبها ...
تعني كلمة المحك لغة الصدق . وعند ما تستعمل صفة للاختبار يعنى مدى تمثل الاختبارات بالصدق والثبات في جميع أوصافها .وكلمة "المحك" عند التربويين مصطلح يستعمل لتدلّ على كافة الحصائل التعلمية المتوقعة من الدارس والوقوف على مدى تحقيقها .(2)
فالمحك هو قياس موضوعي الطبيعة ومستقل الإجراء وتستعمل لتحديد صدق الاختبار
رغبة في الحصول على تقدير نسبي للمستوى الحقيقي.
ويهدف الاختبارمحكي المرجع إلى تقدير أداء الفرد بالنسبة إلى المحك أو مستوى أداء
مطلق دون لجوء إلى مقارنة بأدائه بأداء أفراد الآخرين .(3)
_________________________________________________
ماذا كنت تقصد بالمحك بين الثقافات ....
وهل ينبغي علينا ان نتخلى عن ثقافة معينة عند الانتقال من بيئة إلى أخرى ..
بمعتى انه ربما تكون الثقافة التي أمتلكها نابعة من بيئة أنا عشت بها وتكون خاطئة لأناس معينين .. أو نوع من التخلف .. بالتباين مع ثقافات أخرى ..
تحياتيليلة شتاء ممطرة
في30,تموز,2008 - 09:15 صباحاً, الفارس كتبها ...
ليلة شتاء ممطره
ليس المقصود التخلي عن الثقافات في حال الانتقال من بيئه لبيئه المقصود ان
نتخلى عن الثقافات المتحكمه في عقولنا المخالفه للدين والعلم معاً .
وكما ورد في مثل اليزيديه وكثير من العادات في كل المجتمعات لو وضعت على
المحك لتبين مخالفتها للعقل والمنطق ومع ذلك تتحكم في المجتمع حتى
العلوم التي يتعلمها للاسف تأثيرها لايتعدى حدود الاجواء المهنيه وما عدا ذلك
فالكل يتصرف بتوجيه من الثقافة السائدة التي تبرمج بها منذ الطفولة فهي
التي توجه التفكير والسلوك بشكل تلقائي..
اتمنى ان اكون قد استطعت التوضيح
دمتي بخير

الاسم: الفارس 
